سماء عبد الهادي في إيوليكا 2026: تكنو وتسويق العلامة التجارية في تنريفي
سماء عبد الهادي، أيقونة التكنو الفلسطيني، تُحيي حفلاً في مهرجان 'إيوليكا 2026' بجزيرة تينيريفي. اكتشف كيف يحول حضورها هذا المهرجان الكناري إلى منصة للأصالة والعلامة الثقافية.
في 16 أكتوبر 2026، في المعهد التكنولوجي والطاقات المتجددة (ITER) بجزيرة تينيريفي، لن يُعزف فقط موسيقى إلكترونية. بل سيُرفع بيان. DJ والمنتجة الفلسطينية سَماء عبد الهادي، التي تجاوزت مشاهدات جلستها المسجلة في “بويلر روم” في رام الله عام 2018 حاجز 15 مليون مشاهدة، تحطّ في قائمة مهرجان “إيوليكا 2026”. وهي تحطّ في وقت تبحث فيه الصناعة الثقافية بيأس عن الأصالة، لكن قلّة تجرؤ على برمجتها بكل تبعاتها. لأن حضور عبد الهادي ليس مجرد إصابة في الحجز الفني: إنه قرار استراتيجي للعلامة التجارية يحوّل مهرجاناً كنارياً إلى منصة لسردية عالمية، تماماً في وقت تسعى فيه الصناعة إلى التمايز في سوق مشبعة ببرامج مهرجانات قابلة للتبديل.
مسيرة بُنيت بين برلين ورام الله
لفهم وقع هذا الأداء، لا بد من تتبع سيرة فنانة تتحدى أي تصنيف مبسّط. وُلدت سَماء عبد الهادي في الأردن، ونشأت في رام الله ضمن عائلة فلسطينية، وصقلت هويتها الموسيقية بين بيروت ولندن والقاهرة. أعطتها دراستها لهندسة الصوت والإنتاج الموسيقي الأدوات التقنية، لكن مشروعها الفني يتجاوز ذلك بكثير: هي نفسها تصف صوتها بأنه “تكنو برليني يُدرَك من خلال حساسية لبنانية”. تحمل هذه العبارة أطروحة كاملة عن كيف تشكّل الشتات والمنفى الإبداع المعاصر.
سيرتها الذاتية تتحدث عن نفسها: لقد وطأت خشبات مهرجاني كوتشيلا وغلاستونبري، وعزفت في أماكن عبادة مثل “فابريك لندن” و”سيركولوكو”، ويظهر اسمها في برامج أرقى المهرجانات في العالم. لكن ما يجعلها ظاهرة فريدة حقاً هو كيف تمكنت من جعل هويتها الفلسطينية ليست زينة، بل محرك مسيرتها. في قطاع تحوّلت فيه التنوعية في كثير من الأحيان إلى تمرين تسويقي فارغ، تمثل عبد الهادي العكس: فنانة لا تتفاوض على أصلها، وتحوّله إلى مشروع فني، وبذلك تولّد رابطاً عاطفياً مع جماهير عالمية تبحث عن شيء أكثر من مجرد إيقاع راقص.
مهرجان “إيوليكا 2026”: المهرجان كمنصة للقيم
مهرجان “إيوليكا 2026”، الذي سيقام في ITER في تينيريفي، ليس مهرجاناً عادياً. اسمه يوحي بالطاقة المتجددة والاستدامة والاتصال بالبيئة الطبيعية الكنارية. لكن مع إدراج عبد الهادي، يضيف المهرجان طبقة إضافية إلى هوية علامته التجارية: فضاء يُدرك ثقافة النوادي كأداة للرؤية والمقاومة. في سياق تسعى فيه الصناعة الموسيقية الكنارية إلى الإسقاط الدولي، فإن برمجة شخصية حطمت الصور النمطية على خشبات المسارح هي خطوة تتجاوز الموسيقى البحتة.
الأمر لا يتعلق بالانتهازية أو بتبني قضايا الآخرين. قرار مهرجان “إيوليكا” بإدراج عبد الهادي في قائمته يستجيب لاتساق داخلي كان المهرجان يبنيه منذ دوراته الأولى: الرهان على فنانين يمثلون قيم الحرية والتنوع والوعي الاجتماعي. في سوق تتنافس فيه مهرجانات كثيرة على نفس رؤوس القوائم، يُفرّق هذا الرهان على سردية أصيلة وحمولة جيوسياسية بين “إيوليكا” ومنافسيه. ليس الأمر مجرد برمجة لـ DJ عظيمة؛ إنه مواءمة علامة المهرجان التجارية مع قصة يتردد صداها خارج حلبات الرقص.
السياق الثقافي الكناري كمسرح
أن تحدث هذه الحفلة في تينيريفي ليس أمراً غير ذي صلة. جزر الكناري، بموقعها الجغرافي وتاريخها من الهجرات والتمازج، كانت تقليدياً جسراً بين القارات. الأرخبيل يفهم الشتات، والهويات المتعددة، وكيف يمكن للموسيقى أن تكون وسيلة لسرد قصص النزوح والانتماء. بهذا المعنى، أداء عبد الهادي في ITER ليس حدثاً منعزلاً، بل يرتبط بتقليد ثقافي كناري نظر دائماً إلى الخارج دون أن يفقد خصوصيته.
علاوة على ذلك، يُقام مهرجان “إيوليكا” في فضاء هو في حد ذاته رمز: المعهد التكنولوجي والطاقات المتجددة، مركز مخصص للابتكار والاستدامة. يخلق مزيج التكنو الطليعي والوعي البيئي والالتزام الاجتماعي نظاماً بيئياً فريداً لا تستطيع مهرجانات قليلة تقديمه. بالنسبة للعلامات التجارية والشركات التي تسعى إلى الارتباط بأحداث تنقل قيماً صلبة وأصالة، يصبح “إيوليكا” لوحة أكثر جاذبية من المهرجانات الجماهيرية حيث كل شيء قابل للتبديل.
ما وراء الضجة: الأثر الحقيقي لقرار برمجي
حضور سَماء عبد الهادي في مهرجان “إيوليكا 2026” يثير أسئلة تتجاوز الموسيقى. إلى أي مدى يمكن للمهرجانات، بل ويجب عليها، أن تتبنى موقفاً سياسياً من خلال برامجها؟ هل ثقافة النوادي فضاء شرعي للمقاومة وإبراز القضايا الاجتماعية؟ إجابة عبد الهادي واضحة: هي لا تفصل فنها عن هويتها، ومسيرتها تثبت أنه يمكن للمرء أن يكون شخصية عالمية دون التخلي عن الجذور.
بالنسبة للجمهور الكناري، سيكون أداء 16 أكتوبر فرصة لتجربة فنانة حققت ما قلّما يحققه آخرون: جعل موسيقاها وسيلة لسرد قصة مقاومة وإبداع وبقاء ثقافي. بالنسبة للعلامات التجارية والشركات التي ترعى أو تشارك في “إيوليكا”، فهو تأكيد على أن المهرجان يفهم أن العلامة التجارية الثقافية لم يعد بإمكانها أن تقتصر على وضع شعارات على المسارح. الأصالة والاتساق والقدرة على الارتباط بالسرديات العالمية هي الأصول الجديدة التي تميز المشاريع ذات المستقبل عن تلك التي تسعى فقط لملء عطلة نهاية الأسبوع.
تأمل للمستقبل
بلا شك، سيكون مهرجان “إيوليكا 2026” علامة فارقة في البرمجة الموسيقية لكناريا. لكن إرثه الحقيقي قد يكون شيئاً آخر: إثبات أن المهرجانات الصغيرة والمتوسطة، عندما تراهن على هوية واضحة وقيم أصيلة، يمكنها المنافسة في مجال الأفكار وليس فقط في مجال الميزانيات. سَماء عبد الهادي ليست فنانة مريحة، ولهذا تحديداً هي قيّمة لمهرجان يريد أن يكون أكثر من مجرد قائمة أسماء معروفة.
في وقت تبحث فيه الصناعة الثقافية بيأس عن قصص ترويها، حضور DJ فلسطينية في مهرجان كناري للطاقات المتجددة هو قصة تستحق أن تُروى. ليس لأنها غريبة، بل لأنها حقيقية. وفي عالم من العلامات التجارية المصطنعة، الحقيقي ينتصر دائماً.